مصطفى صادق الرافعي
73
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
( 1 ) استقلال الإرادة وقوتها وهذا هو الذي يكون عنه ( الأمر بالمعروف ) « 1 » لا يكون بدونه البتة . ( 2 ) استقلال الرأي وحريته ، ويكون منه ( النهي عن المنكر ) ولا يمكن أن يكون بغيره . ( 3 ) استقلال النفس من أسر العادات والأوهام ، بالنظر والفكر في مصنوعات اللّه ، ولا يكون الإيمان إيمانا على الحقيقة بدونه ثم هذا الإيمان هو الذي يسند الركنين المذكورين آنفا ويشدهما ويقيم وزنهما الاجتماعي ، فيبعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بثقة إلهية لا يعترضها شيء من عوارض الاجتماع التي تعتري الناس من ضعف الطباع الإنسانية ، كالجبن والنفاق ، والخلابة والمؤاربة ، وإيثار العاجلة . ونحوها مما ينقم الناس بعضهم من بعض . وإذا اعترضها من ذلك شيء لا يقوم لها ولا يصدّها عما هي بسبيله . فإن كل هذه الصفات ليست من الإيمان باللّه ولا تتفق مع صحة الإيمان ، بل هي أنواع من العبادة للقوي والعزيز والمستبد ، وللشهوات والنزعات وما إلى ذلك ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير راجعين إلى الإيمان باللّه دخلا في الأهواء الإنسانية ، فتجيء بها علة وتذهب بها علة ، فيعود أمر الإنسانية إلى التأكل والمهارشة والنزاع الحيواني فإن الحيوان في كل ما يسطو به إنما يأمر بمعروف هو معروفه وحده وينهى عن منكر هو منكره وحده . . . فانظر . هل جاءت علوم الفلسفة والاجتماع بعد ثلاثة عشر قرنا من نزول القرآن بما ينقض هذه الحقيقة ؟ وهل قررت إلا تفسيرها « 2 » بوجوه ضعيفة مضطربة لا تبلغ في الكمال مبلغها ولا تقارب هذا المبلغ ؟ وهل في الآداب الإنسانية التي قامت عليها الأمم لهذا العهد مثل أن تكون سعادة الإنسان في منفعة الناس ، وإن احتمل في ذلك المكروه واقتحم الصّعاب وبذل من ذات نفسه وحفظ من حق غيره ما يضيّعه ولو ضاع هو فيه ، وذكر من واجبه ما ينساه ولو كان ذلك مما يفقده وينسيه ، ثم لا يكون هذا حتى يكون مقدّما على سعادة نفسه التي هي الإيمان ، تقدم السبب على المسبّب : كما يؤكد ذلك نسق النظم في الآية الشريفة التي مرّت بك . . . اللهم إنه دينك الذي شرعته بكتابك المعجز ، بل دين الإنسانية الذي قلت فيه :
--> ( 1 ) اعترى لفظة المعروف ما أصاب لفظة التقوى ، وإنما المعروف ، كل ما يعرفه العقل الصحيح حقا . والمنكر : كل ما ينكره . ففي ذلك تقويم لكل إنسان من الملوك فمن دونهم ، غير أن هذا المعنى لم يكن على حقيقته إلا في أهل الصدر الأول ثم كان أول من عاقب عليه معاوية بن أبي سفيان الذي جعل الخلافة ملكا عضوضا في هذه الأمة ، وكان بعد ذلك أول من تكبر من الخلفاء وأنف أن يساوى بالناس وأن يدعى باسمه الوليد بن عبد الملك ، ثم انحدر الزمن انحداره . . . ( 2 ) آخر ما انتهت إليه الفلسفة أن الأمم على الأخلاق وعلى هذه العقائد .